ألفونس دو لا مارتین، رحلة إلى الشرق، باریس، أونوریھ شامبیون،2000

ص.183[
في عمق ھذا الوادي الھائل،نجد تلة بتدین، التي تحمل قصر الأمیر،الذي قد تأسس ویتم تشییده، وكأنھ برج عظیم.والتلّة
فیھاصخوریغطیھااللبلاب، وینزل من شقوقھا الأعشاب ذات الخضرة الوافرة.ترتفع ھذه القمة إلىمستوى الطریق حیث
یفرقنا عنھ ھوة سحیقة حیث كنا عالقین.على قم ّ ة ھذه التل ّ ة، وعلى بعد خطوات منا،یقع القصر الموریسكي للأمیر الذي
یمتد ّ بشكل ملكي على كل ھضبة بتدین، مع أبراجھ المربعة، تتخللھا أقواسعلى رأسھا، وممرات طویلة تمتد من البرج إلى
البرج الآخر، وتبدو وكأنھا أغصان نخیل تزین جزءھا العلوي.في ھذا القصر باحات كبیرة تمتد من أعلى الجبل إلىسور
القصر.في نھایة أحدىكبرى الساحات، حیث كانت أنظارنا تتجھ لما لھذا المبنى من ارتفاع من حیث كنا واقفین، نرى
الواجھةغیر العادیة لقصر النساء، والتي تزینھاأعمدةرفیعة غایة في الجمال، وبأشكال غیر عادیة وغیر متساویة، وھي
تمتد من الأسفل إلى السقف، وتحمل، على شكل شمسیة،الألواح الخشبیة الخفیفة التي تغطى سقوفیات القصر.
]ص.184[
والساحات الكبیرة التيتقوم إزاء القصر ھي ممتلئة بجمھرة من الخدام، والفنانین، والكھنة والجنود، كلھا بأزیاء مختلفة
وفولكلوریةوالتي تعبّر عن الفئات السكانیة الستة التي تسكن لبنان:الدرزي، والمسیحي، والأرمني، والیوناني،والموراني،
والمتوالي–كما نجد ما بین500إلى600حصان عربي والتي كانت كلھا مربوطة بأرجلھا ورأسھا، وھناك حبال مشدودة
على امتداد الساحة، تحمل رایات بألوان مزركشة وزاھیة؛ كما نجدمجموعات من الجمال، بعضھا ینام، وبعضھا واقف،
وبعضھا راكعة على ركبھالكي یتم تحمیلھا أو تنزیل الحمل عنھا؛وفي الساحة الأكثر ارتفاعًا في القصرالداخلي، نجد
بعض الشبانالذین یتدربون على الأحصنة، یتناوشون مع خصومھم، ویطورون بشكل مثیر للإعجاب تقنیاتھم السریعة
بحسب ما تتطلبھ الألعاب العسكریة.
]ص.185[
نصف الغرفة كان ممتلئًا بالمدبرین الذین كانوا یلبسون الأثواب الطویلةمذیلة باللونالفضي، وحیث نجد خنجر ً ا وسط
الزنار الأوسط؛ كما نرى بعض العرب ذات اللباس الفاخرمعھم سلاح.ونجد أیضً ا بعض الزنوج والخدام الذین ینتظرون
أوامر أسیادھم، وبعض الضباط المصریین الذینیلبسون الذي الأوروبي ویعتمرون القبعات الیونانیة المطرزة باللون
الأحمر، مع شلحة طویلة باللون الأزرق التي تصل إلى أكتافھم.أما القسم الآخر من المكان، فھو أكثر ارتفاعًا بدرجة، حیث
نجد ھناك دیوانًا باللون الأحمرالطاغي على كل شيء.وفي زاویة ھذا الدیوان نجد الأمیر متربعًا.
]الأمیر، ص.185[
ذات نظرة ً كان شیخًا جمیلاحیة وثاقبة، ذات صبغة دینامیة وحاضرة، لحیتھ ذات لون رمادي؛ كان یلبس ثوبًا أبیضًا،
یتوسطھ زنار من الكاشمیر.ووسط ھذا الزنار نجدخنجرًا كبیرًا مزركشًا یمتد على طول البطن،وكان ینتعلحذاءًا نجد
وسطھ ألماسة بحجم حبة البرتقال.قمنا بإبداء التحیةبحسب عادة البلاد، واضعین یدنا على جبھتنا أولاً ، ثم على قلبنا، فقام
برد ّ السلامبتحیة مبتسمًا، مشیرً ا إلینا بالاقتراب، والجلوس إلى جانبھ في الدیوان.كان ھناك مترجمًا راكعًا على ركبتیھ بیننا
وبینھ.أخذت الكلام، وعبرت لھ عن المتعة التي رافقتنا خلال زیارتناللناحیة الجمیلة التي یحكمھا بالكثیر من الحزم
والحكمة، وقلت لھ، من بین الأشیاء العدیدة التي قلتھا،ّأن المدیح الأھم الذي یمكنني أن أقولھ فیما خصإدارتھ، ھوأنني
موجود ھنا؛ ذلك أن الأمان الموجود على الطرقات، والغنى الثقافي، والنظام والسلام الموجود في المدن،إنما ھي شواھد
تتكلم بنفسھا عن أھلیة وفضیلة الأمیر.فشكرني الأمیر،وحدثني عن أوروبا وسیاستھا ضد الأتراك والمصریین،وسألني
العدید من الأسئلة التي تظھر مدى الاھتمام الذي لدیھ إزاء ھذه المسألة، وقد بدى لي مدى المعارف والذكاءفي إدارة
الأعمال التي نادرًا ما نجدھا عند أمیر من الشرق.ثم قاموا بإحضار القھوة، والنرجیلة الطویلة،التي قاموا بتجدیدھا لأكثر
من مرّة، واستمرت المحادثات فیما بیننا لأكثر من ساعة.
لقد كنت سعیدًا بالحكمة، والأنوار، والطرق النبیلة والائقة التي یتبعھا ھذا الأمیر الشیخ.وقد قمتُ ، بعد محادثة طویلة،
لأرافقھ في حماماتھ، التي أراد أن یرینا إیاھا بنفسھ.
]ص.187[
ھذا الأمیر، حتى ولو كان عمره یناھز الأثنینوسبعین عام ً ا، والذي كان قد خسر زوجتھ الأولى، التي كانت ھي مصدر
ثروتھ،كان قد تزو ّ ج من جدید.وقد ندمنا لعدم تمكننا من رؤیة زوجتھ الجدیدة، التي یقال أنھا جمیلة بشكل ملحوظ.كان
عمرھا یناھز الخمسة عشر عامًا.وھي كانت عبدةسرقاسیة كان قد اشتراھا الأمیر من سوقفي القسطنطینیة، وقد حوّلھا
إلى المسیحیة قبل أن یتزوجھا؛ ذلك أن الأمیر بشیر نفسھ إنما كان مسیحیًا وحتى كاثولیكیًا،أو بالأحرى ھو بحسب القانون
في كل بلاد التسامح، فھو یعتنق كل العبادات الرسمیة لبلاده؛ فھو مسلم من أجل المسلمین، ودرزي من أجل الدروز،
ومسیحي منأجل المسیحیین] .ص.188[، نجد عنده مساجد وكنیسة؛ لكنھ منذ سنین عدیدة، اعتنق المسیحیةالكاثولیكیة
كدیانة للعائلة، وھي دیانة قلبھ.ھذه ھي سیاستھ، وكان ھناك خوف من ذكر إسمھ، لم یكن دینھ المسیحي یوحي أیة قلق أو
رفض من قبل العرب المسلمین، والدروز والمتاولة الذین یعیشون في إمبراطوریتھ.كان عادلا ً مع الكلّ، والكل ّ كان یحترمھ
بشكل متساو.
من بین مدبري الأمیركان ھناك أجد كبار الشعراء في العربیة.أنا لا أعرفھ، ولم أتعرف علیھ إلا فیما بعد.عندما علم
ھو من عرب سوریا أنني بدوري شاعر من أوروبا،كان یكتب لي أبیاتًا شعریة غالبًا ما یطغى علیھا حب المعرفة، ووالتي
تتخللھالعبة الكلمات تمامًا كما ھو كل اللغات التابعة للحضارات التي شاخت،ولكن حیث نجد ھوایة ذات مستوى عال،
وتراتب في الأفكار أعلىبكثیر مما نتصوره عندنا في أوروبا.
نمنا على وسادات من الدیوان كانت ممتدة على الحصیرة، وذلك على صوت جداول المیاه التي تثرثر وھي
تتمایل في كل ّ أرجاء الحدائق، وفي الباحات وفي قاعات ھذا الجزء من القصر.عندما جاء النھار،رأیت من خلال
الزجاج]ص.189[العدید من المسلمین الذین كانوا بقوموا بأداء الصلاةفي باحة القصر الكبیرة.وكانوا یمدون
سجادة على الأرض حتى لا یلمسوا الغبار؛ كانوا یقفوا لبرھة، ثم ینحنون وكأنھم قطعة واحدة، ویجعلون جباھھم
تلمس الأرض، أما الوجھ فموجّھًا نحو المسجد، ثم كانوا ینامونعلى بطونھم على السجادة؛ كانوا یصربون الأرض
بجباھھم؛ ثم یقومون، ویعاودون من جدید ذات الحركات الاحتفالیة، من خلال إعادة الحركات نفسھ وتمتمة
الصلوات.لم أجد في ھذه الحركاتوالاحتفالاتأي شكل من أشكال السخافة، حتى ولو بدت غریبة بالنسبة لجھلنا.
إنالأداء الجسدي للمسلمین إنما یخرقھ كم كبیر من الشعور الدیني الذي یعبرون عنھ بھذه الحركات.وأنا لطالما
كنتأحترم بعمقھذه الصلوات:إن الدافع یقدس كل شيء.إینما كان، حیث تقوم الفكرة الإلھیة بالنزول والفعل في
الإنسان، فإنھا تعطیھ كرامةخارقة.یمكننا القول:
أنا لا أصلي مثلك، لكنني أصلي معك إزاء المعلم المشترك، المعلم الذي تؤمن أنت بھوالذي ترید أنت أن
تعترف بھ وتكرمھ، تمامًا كما أود ّ أنا أن اعترف بھ وأكرمھ بشكل مختلف.لیس علي أن أضحك علیك؛ فلنترك ہﻟﻠ أن
یحكم في ھذا لأمر.
قضینا النھار فيعن قصر الأمیر؛ رأینا كنیسة كاثویكیة قدیمة ً زیارة قصور أبناء الأمیر، التي تبعد قلیلا، تشبھ تمامًا
الكنائس الجدیدة في قرى فرنسا وإیطالیا، وحدائق القصر.وقد قام الأمیر بشیر ببناء قصر آخر في الریف على بعد میل
واحد من بتدین.وكان الأمیر یتنقل فیما بینھما فينزھات على الحصان،وھذا الطریق إنما ھو الوحید حیث یمكن للحصان،
وحتى العربي منھ، أن یركض من دون أي خطر؛ أماالطرقات الأخرى التي تقود إلى بتدین فإنھا من الخطورة بمكان أنھا
موجودة على أطراف الأودیة والجبال أنھ یصعب أن تسلكھا من دون خطر الوقوع منھا.
وقبل أن نغادر بتدین ودیر القمر،قمت بكتابة بعض الملاحظات الفضولیة التي قمت قد جمعتھا في ھذه الأماكن، وھي
ملاحظات تختص ّ بھذا الشیخالكفوء والمحارب الذي قمنا بمقابلتھ.
]ص.374[
إن الموارنةمن أشكلال ً خاضعون للأمیر بشیر ویشكلون، مع الدروز والمتاولة، شكلاالكونفدرالیة الدكتاتوریة، تحت
حكم ھذا الأمیر.وعلى الرغم من أن أعضاء ھذه الأمم الثلاثة إنما یختلفون من حیث أصولھم،ودیانتھم وأخلاقیاتھم،وأنھم
تقریبًالا یختلطون أبدًا فیما بینھم في القرى نفسھا،فإن مصلحة الدفاع عن حریتھم المشتركةوالید القویة وسیاسة الأمیر
بشیر إنما تجعلھم سویًا في المعین نفسھ.وھم یغطون المساحة الممتدة من اللاذقیة وقلعةسان جان دارك إلى دمشق
وبیروت.سأقول كلمة جانبیة فیما خص الدروز والمتاولة.
یحتل ّ الموارنة الأودیة الأكثر مركزیة وسلاسل الجبال الأكثر ارتفاعًاللجزء الأساسي من جبل لبنان،أي المساحة
الممتدة من بیروت إلى طرابلس وسوریا.إن قمم ھذه الجبال التي تصب كلھا في البحر كلھا خصبة، تسقیھا الأنھر العدیدة
والسواقياللامتناھیة.ھم یزرعون الحریر، والزیت، والقمح.المرتفعات غیرممكن الوصول إلیھا تقریبًا، والصخر العاري
یخترق تقریبًا كل أجزاء ھذه الجبال، غیر أن حركة ھؤلاء السكان الذین لا یتعبون، والذین لم یجدوا ملجأأكیدًا لدیانتھم إلا
خلف ھذه المرتفعات وھذه الأودیة، جعل من الصخر خصبًا.وقد ارتفع من درجة إلى درجة، حتى القمم الأعلىً، وصولا
إلى الثلج الأبدي،من الأراضي مكونة من الكتل الصخری ً جلالاة المكسرة.في ھذه الجلال قلیل من التربة حیث تمر ّ میاه
الجداول وتسقیھاجالبة معھا التراب والغبار الخصب وخالطًا إیاھا بالقلیل من التراب الموجود في ھذه الجلال، ما جعل منھا
ومن كل لبنان بستانًا مغطى بالتین والخوخ والزیتون والحبوب؛ ولا یمكن للمسافر أن یعود عنافتتانھ، إلا عندما یرى، بعد
أن قضى أیام ً ا یمشي بین صخور ھذه الجبال،ھناك في أحد زوایا الجبل أو على إحدى ھضابھ الھرمیة، بلدة جمیلة مبنیة
من الحجر الأبیض، ومسكونمن قبل العدید من السكان الوافرو الثروة، مع قصر موریسكي وسط ھذه البلدات، ویحیطھا
كلھاأفقًا من المزروعات والخضار المتمثل بأشجار الصنوبر والبلوط والتین والعریش، وبساتین القمح والذرى.
نجد ھذه القرى معلّقة أحیانًا الواحدة على الأخرى، بشكل عامودًا تقریبًا؛ یمكننا أن نرمي حجرًا من قریة إلى أخرى؛ یمكننا
أن نسمع بعضنا بین القریة والأخرى،حتى أن انحدار الجبلیتطلب أحیانًاالكثیر من اللف من أجل سلوك طریق
مواصلات، حیث یمكن لنا أن نقضي بین ساعة وساعتین من أجل الانتقال من قریة إلى أخرى.